السيد وزير الدولة،
السادة الوزراء،
السيدات والسادة السفراء،
قُتل أربعة من جنودنا. أريد الإشادة بتضحيتهم. وبالنسبة إلي كقائد أعلى للجيوش، فهي دائماً لحظة وحدة كبرى في مواجهة مسؤولياتي، إزاء المصير المحطم لهؤلاء الرجال الشبان الشجعان، الذين يشرِّفون الجيش الفرنسي وينبضون بروح التضحية.
(...)
أعتقد بأن الحكومات التي اتخذت قرار إرسال الجيش الفرنسي إلى أفغانستان، قد اتخذت القرار الصائب. لكن الجيش الفرنسي في أفغانستان هو لخدمة الأفغان وهو ضد الإرهاب وضد طالبان. فالجيش الفرنسي موجود في أفغانستان ليس لكي يطلق الجيش الأفغاني النار عليه.
(...)
إن الجيش الفرنسي هو إلى جانب حلفائه، ولكن ليس بمقدورنا القبول بان يجرح أو يقتل واحد من جنودنا على يد حلفائنا. هذا ليس مقبولاً، وأنا لن أقبله.
(...)
السيدات والسادة،
2011 ستبقى في الحوليات سنة الاضطرابات. الاضطرابات مع "الربيع العربي".
السيدات والسادة السفراء،
على أبواب أوروبا، يشهد المغرب والمشرق اضطرابات لا سابق لها. وبدأت الشعوب بالتحرك باسم القيم العالمية العزيزة علينا وهي: الحرية والديموقراطية والعدالة. واجبنا مواكبة هذه الشعوب بصداقة ومن دون تدخل.
دعونا نحذر من الأحكام المتسرعة، دعونا نحذر من الأحكام المبكرة، لنفسح الوقت أمام قادة المغرب والمشرق الجدد. وتعرف فرنسا بأن بناء الديموقراطية ليس بالشيء السهل. إن تحدي عمليات الانتقال الديموقراطية الجارية هو ليس مكانة القوى السياسية التي تفتخر برابط قوي بالإسلام بل التحدي هو أن تحترم هذه الأحزاب قواعد ومتطلبات الديموقراطية التي هي قبول التداول في السلطة واحترام الأقليات. يجب أن تحترم الأقليات السياسية وطوائف الأقليات؛ الحفاظ على هذا التنوع هو غنى للشرق.
السيد ليمانس، قل جيداً لقداسته بأن فرنسا لا تنسى مسيحيي الشرق، حيثما كانوا. إن مسيحيي الشرق هم أحد جوانب غنى الشرق. ليسوا لوحدهم. فرنسا ستكون بجانبهم بطريقة حازمة. فرنسا علمانية، فرنسا ديموقراطية، فرنسا جمهورية. تسهر فرنسا على أرضها بأن يتمكن كل واحد من عيش التزامه الديني وتوريثه إلى أولاده. لكن فرنسا تريد أن يكون الأمر كذلك بالنسبة لكل الأقليات الدينية في كل نواحي العالم. إنه موضوع هائل يصيب بالتأكيد قلب اعتقاداتنا.
وإذ تطرقتم إلى الجذور اليهودية ـ المسيحية، تعرفون جيداً يا سيد ليمانس، بأنه موضوع يحظى بانسجام كبير بيننا. فلا حضارة من دون جذور. سنساعد على نجاح هذه الديموقراطيات الشابة. إنها "شراكة دوفيل" والعلاقات التي نقيمها مع شركائنا الجدد. وألان جوبيه الذي أريد الإشادة به، قام للتو بزيارة مكللة بالنجاح إلى تونس، وسنستقبل الشهر المقبل الرئيس التونسي، هذا البلد الذي تشعر فرنسا بأنه قريب جداً منها، لاختراع شراكة لا سابق لها. 2012 ستكون سنة إعادة تأسيس الإتحاد من أجل المتوسط.
2012، سنة الأمل بالنسبة لشعوب عديدة في الشرق الأوسط، لكن أيضاً عام كل الأخطار.
في سورية، لا يمكننا قبول القمع الوحشي الذي يقوم به القادة السوريون ضد شعبهم، وهو قمع يؤدي مباشرة إلى دفع البلد إلى الفوضى. وهذه الفوضى ستفيد المتطرفين من كل حدب وصوب. سورية هي ملك الشعب السوري، ويجب في الأخير أن يتمكن من اختيار قياداته بحرية وتقرير مصيره. ولقد إنخرطت الجامعة العربية في عمل شجاع، عليها مواصلته، وعلى مجلس الأمن أن يقدم لها مساعدته لأن هذه هي مهمته.
لا نريد التدخل في الشؤون السورية وما من شخص حاول أكثر مني، وبإخلاص، مد اليد إلى بشار الأسد. لكن في لحظة يواجه كل واحد الوقائع، وفرنسا لن تصمت أمام الفضيحة السورية.
خطر بالنسبة للبنان، هذا البلد الذي نشعر بأننا قريبون جداً منه. ثمة جنود فرنسيون في لبنان، بتكليف من الأمم المتحدة منذ أكثر من ثلاثة عقود. لكن هؤلاء الجنود في خدمة الأمم المتحدة موجودون هنا للدفاع عن لبنان السيد والمستقل وليس لبنان المستعبد. لبنان السيد والمستقل. وهنا أيضاً، تحذير فرنسا واضح. فكل من يتعرض لجندي فرنسي سيتحمل فوراً العواقب. لن نترك لبنان، لكننا لن نكون متواطئين مع استعباد لبنان، سواء جاء من الخارج أو من الداخل. فرنسا صديقة جميع اللبنانيين من دون استثناء؛ من جهة أخرى، كيف يمكنني التطرق إلى ضرورة وجود التنوع في الشرق واختيار أصدقائنا في لبنان؟ نحن أصدقاء الجميع، الجميع من دون استثناء. لكن من أجل لبنان حر، من أجل لبنان سيد، من أجل لبنان الذي يُترك وشأنه، وليس من أجل لبنان الذي يريدون استعباده.
خطر بالنسبة للعراق، المهدد بانبعاث التوترات الدينية والإرهاب. العالم في حاجة إلى عراق موحد ومتنوع. وستحل مأساة كبرى إذا انفجر العراق.
خطر في اليمن، حيث يتعين قيادة عملية الانتقال الديموقراطية التي لطالما تم انتظارها، وفق الالتزامات المقطوعة وقرارات مجلس الأمن.
الخطر أخيراً في الشلل غير المقبول في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. يتعين وجود معاودة سريعة وذات صدقية للمفاوضات مع جدول محدد وآلية متابعة. كيف لا يمكن فهم أن "الربيع العربي" يحيل وضع الشعب الفلسطيني غير مقبول أكثر فأكثر؟ كيف لا يمكن فهمه؟! وها أن كل شيء يتحرك في الشرق، وثمة من يرغب في الجمود المتجلد بين الفلسطينيين والإسرائيليين. يجب تغيير النهج، اللجنة الرباعية الدولية هي مثابة خيبة. فلنوقف مقتضيات الديبلوماسية. فلنوقف إخفاء الواقع: إنها الخيبة. فلنغير النهج. يجب توسيع دائرة المفاوضات. يجب إعادة تعبئة الجهات الفاعلة، جميع الجهات الفاعلة التي يمكنها المساهمة في تسوية النزاع المركزي. موقف فرنسا واضح. لن نقبل أبداً بتهديد أمن إسرائيل. نقول ذلك للجميع. إسرائيل ليست وحدها. إن ولادة إسرائيل في منعطف النصف الثاني من القرن العشرين، وغداة مأساة المحرقة، هي واقع سياسي أساسي في تاريخ العالم. ومن يهددون وجود إسرائيل عليهم أن يعرفوا بأننا لن نقبل أبداً زوالها، وتهديد سلامة هذا البلد.
موقف فرنسا واضح في ما يتعلق بالفلسطينيين. يجب أن ينالوا دولة ديموقراطية، وقابلة للحياة وحديثة. فبعد كم من العقود، فيما هم ينتظرون منذ زمن بعيد؟ ومن لا يرى أن أفضل ضمانة لأمن إسرائيل هو وجود دولة فلسطينية؟
تولت فرنسا مسؤولياتها لحظة كان يجب التصويت لانضمام الفلسطينيين إلى الأونيسكو. إنه خيار قوي، إنه خيار رزين. كيف يمكن رفض دخول الفلسطينيين إلى منظمة تضع التربية والثقافة في خدمة السلام؟ لا تقبل فرنسا بهذا الأمر الواقع لأنه يحمل مخاطر جمة.
أخيراً، هناك قضية إيران وبرنامجها النووي العسكري. كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التقدم المنجز من قبل النظام الإيراني في سباقه الأخرق للحصول على القنبلة النووية. بدأت قاعدة قم العسكرية بإنتاج اليورانيوم العالي التخصيب. إن القادة الإيرانيين كذبوا ، ليس مرة واحدة؛ القادة الإيرانيون كذبوا بطريقة متواصلة وعلى الجميع.
اسمحوا لي بمشاطرتكم اقتناعين: الأول، هو أن تدخلاً عسكرياً لن يحل المشكلة، لكنه قد يثير الحرب والفوضى في الشرق الأدنى. ويمكن للأسف أن يكون أكثر من ذلك. يجب القيام بأي شيء من تلافي الحل العسكري. وإقتناعي الثاني هو أن الوقت محسوب. ستقوم فرنسا بكل شيء من أجل تلافي التدخل العسكري، لكن هناك حل واحد لتلافيه ألا وهو نظام عقوبات أقوى بكثير، وأكثر حسماً بكثير، يمر عبر وقف شراء النفط الإيراني من قبل الجميع وتجميد أصول المصرف المركزي الإيراني المالية. ومن لا يريد تقوية العقوبات ضد نظام يقود بلده إلى الكارثة، من خلال امتلاكه السلاح النووي، فسيتحمل مسؤولية احتمال اندلاع حرب عسكرية. يمر السلام بعقوبات معززة لتلافي احتمال الدخول في دوامة قاتلة.
هدفنا هو أن نكون إلى جانب الشعب الإيراني، ولكن لهذا يجب فرض التفاوض بجدية على قياداته قبل ان يصبح الوقت متأخراً. وأشكر ألان جوبيه على كل الجهود التي يبذلها للحصول على توافق عالمي. وأقول ذلك إلى أصدقائنا الصينيين كما إلى أصدقائنا الروس: ساعدونا على ضمان السلام في العالم. نحن بوضوح في حاجة إليكم.
نحن بوضوح في حاجة إليكم. وأنا أزن كلماتي.
أخيراً، أنهي كلامي بموضوع عزيز علي، وعزيز على فرنسا، ألا وهو الحوكمة العالمية، لأقول أمرين: مجموعة العشرين ليست شرعية إلا إذا اتخذت قرارات.
مصدر قوة مجموعة العشرين، ليس فقط لكونها تمثل 85 في المئة من الناتج الوطني العالمي. ما يشكل مصدر قوة مجموعة العشرين هو أن داخل محفلها الصغير تتخذ مجموعة العشرين قرارات ـ ليست على مذاق فرنسا كفاية ـ لكنها تأخذ قرارات. علينا ألا ندع مجموعة العشرين تصاب بالشلل. وأقول للرئاسة المكسيكية بأننا نمحضها ثقتنا لكي تحمل الكثير من الطموح أثناء رئاستها. وإذا كانت مجموعة العشرين ستجتمع في غياب هدف كبير ومن دون اتخاذ قرار كبير فإنها لن تعمر.
ملاحظة ثانية حول الحوكمة الدولية: لن أعرج على ضرورة إصلاح الأمم المتحدة، إلا لأقول بأن فرنسا لن تتخلى أبداً عن حقها في النقض (الفيتو).
إلى ذلك، لا أعرف بلداً واحداً يمتلك حق النقض قد يأتي ليقول بأنه يتخلى عنه. سوف تكون فكرة جنونية، بالإضافة إلى ذلك، لا أحد طلب من فرنسا هذا الأمر، لا أحد. لكن يجب توسيع مجلس الأمن. وإلى من يرغبون في استبدال التمثيل الأوروبي بحق فرنسا في النقض، أقول " هذا ليس له أي معنى". لأن ذلك يعني بأن حق النقض الأوروبي سيكون محكوماً بالشلل. فلو كنا مضطرين لانتظار موافقة الجميع في أوروبا للتدخل في ليبيا، لكنا لا نزال نتحدث عن التدخل في ليبيا فوق رماد بنغازي. وفي وقت التدخل في العراق، حيث لم تتدخل فرنسا عن حق ـ تحية لجاك شيراك ـ فماذا يمكن ان تكون مواقف الممثلين الذين يقال عنهم أوروبيين. هذا لا معنى له. لكن يجب توسيع مجلس الأمن لكي تتمثل فيه بلدان كبرى لأن لهم مكانتها ولكي تتمثل فيه كل القارات.
من الواجب أن يكون هناك طرق جديدة. يرد في ذهني منظمة التجارة العالمية؛ وأخيراً، إن جولة الدوحة في مأزق. مفاوضات الدوحة هي بمثابة خيبة. فكم من السنوات ستمضي قبل أن نستخلص العبر؟ ولماذا الخيبة؟ لسبب بسيط جداً، هو أن محددات التفاوض خاطئة. إن جولة منظمة التجارة العالمية هي جولة مفاوضات من جهة، بين البلدان الفقيرة وبين البلدان الغنية من جهة أخرى. هذا العالم كان موجوداً قبل 20 عاماً، إنه لم يعد موجوداً اليوم. قبل 20 عاماً، كان بإمكاننا القول " يوجد من جهة البلدان الفقيرة ومن جهة أخرى البلدان الغنية". اليوم كما يقال هناك البلدان المتقدمة، والبلدان الأكثر فقراً، وفي الوسط البلدان النامية، والناشئة التي هي أقرب إلى البلدان الصناعية والغنية منها إلى البلدان الفقيرة. إن الشروع في مفاوضات تجارية وفق أسطورة العالم الثنائي سيكون مآله الفشل المؤكد.
وأضيف بأنني لا أؤمن بهكذا مفاوضات بين 170 أو 175، حيث نوقع على إتفاق حول كل شيء ونوقع على إتفاق على لا شيء. فلنسمح بان تجري ضمن منظمة التجارة العالمية مفاوضات بين الكتل أي: الصين مع أوروبا، واليابان مع الولايات المتحدة، وأفريقيا مع أوروبا. فلنغير طرق عملنا. نحن في القرن الواحد والعشرين، وقواعد القرن العشرين لم تعد تعمل.
أخيراً لأنهي كلامي، ربما تجدوني كئيباً. ومع ذلك هناك أسباب للأمل. أجدها في تنمية أفريقيا التي لا تبرح في إدهاشنا. أفريقيا هذه التي زعم العديد من المراقبين والخبراء المفترضين بأنها في حال يرثى لها. أفريقيا تتطور تحت ناظرينا اقتصادياً وتتقدم ديموقراطياً . عزيزي عبدو ضيوف إنه لخبر ممتاز. فأين إفلاس أفريقيا الذي كانوا يتحدثون عنه؟ عديدة هي البلدان الأفريقية التي نحسدها على نسبة نموها. وتقدم الديموقراطية في أفريقيا هو بلا منازع. تنمية قارة أميركا الجنوبية هي خبر سار أيضاً. استقرارها وكذلك تنميتها حول بلد كالبرازيل، تحقق نتائج لافتة للنظر. علينا ألا ننسى المناقشات حول محاربة الاحترار المناخي. فليس لأنه يخرج من مجريات الأحداث، عليه أن يخرج من دائرة اهتمامات مسؤولي الدولة. أقول ذلك بشكل أفضل لأن الاتحاد الأوروبي سيتولى مسؤولياته؛ لكن نسبة الإتحاد الأوروبي من الانبعاثات العالمية من الغازات المسببة في الاحتباس الحراري لم تعد سوى 11 في المئة من المجموع وتستمر في التناقص.
السيدات والسادة السفراء، أشكركم على حسن انتباهكم. وأوجه بدوري تمنياتي لكل بلد من بلدانكم، ولكل واحد من قادتكم ثم لكم. فما هو التمني الذي أوجهه إليكم؟ بأن يشهد عام 2012 قراراً من حكوماتكم بإبقائكم في باريس. على كل حال، أليس هو التمني الأكثر حرارة الذي يمكن أن نوجهه إلى الناس التي نحترمها ونحبها؟ والعيش ومواصلة العيش، واسمحوا لي أن أقول، في أجمل عاصمة في العالم؟
وفيما تشهد 2012 بقاءكم في باريس، قبل أن تشهد 2013 اجتيازكم لمرحلة جديدة في حياتكم المهنية المتألقة، لكي تكون باريس في العمق سُلماً لارتقائكم.
وكل عام وأنتم جميعاً بخير. وشكراً.
